Saturday, 21 January 2017

صنائع التبشير والاستعمار الغربي

" صنائع التبشير والاستعمار الغربي "↓

هناك بحمد الله عدد من رجال العلم والفكر الإسلامي جادُّون في مقارعة خصوم الإسلام من دعاة التنصير ومنظمات التبشير اليهودي والنصراني المتحالفة ضد الإسلام ومحاربة المسلمين، وهذا شيء جميل، ويثيبهم الله على قَدْرِ نِيَّاتهم وجهادِهم؛ فاليهود والنصارى من أهل الكتاب هم أعداء ملتنا بلا ريب؛ فهم من عهد البعثة النبوية المحمدية يكيدون للإسلام، ولا يزالون يكيدون له ويضعون العراقيل في طريقه إلى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ يتربَّصون بنا ويزوِّرون الحقائق، وينتحلون الشُّبَهَ، ويُجَنِّدون العملاء للكيد والمكر بالمسلمين والنيل من الإسلام؛ بهدف تحطيم المسلمين حتى يتركوا دينهم ويسيروا على نهجهم واتباع ملتهم؛ قال جل جلاله : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ " [آل عمران: 100] إذن فقد أبان الله جل جلاله لنا في كثير من آيات كتابه العزيز أن أهل الكتاب أعداء للمسلمين، وعداؤهم متأصِّلٌ ومستمرٌّ . فإذا كان الاستعمار الغربي الذي كانت تُمِدُّه عناصر التبشير بالمخططات لإضعاف عقائد المسلمين؛ ليُحَوِّلوا فئامًا من العرب و المسلمين إلى سماسرة لهم يَدُلُّونهم على عورات أهل الإسلام ويخدمون مخططاتهم، وقد رحل الاستعمال البغيض بجيوشه عن بعض بلاد المسلمين التي قد استعمرها زمنًا طويلاً وعاث فيها الفساد - فقد ترك خلفه قطعانًا من المثقفين بثقافته الغربية من بني قومنا هم إلى البهائم أقرب شبهًا منهم إلى البشر؛ نعم؛ لقد ترك بعد رحيله جيوشًا جرَّارةً من صنائعه أوكل إليهم خلخلة العقيدة الإسلامية وتأويل الشريعة المحمدية وتحريفها وتشويهها؛ فأصبحوا أداة طَيِّعةً ونوايا، يُزَيِّفون الحقائق، ويحرفون كلام الله ويزورون التاريخ، يؤمنون تارة ويكفرون تارة، قد أوكل إليهم سادتهم المستشرقون الخلافة لتنفيذ مخططاتهم، يردد العبيد ما يشيعه السادة المرتحلون؛ بل إن السادة قد يؤجلون ويخجلون من التصريح بسب الإسلام ونبي الإسلام عليه أفضل الصلاة والسلام في حين أن الأذناب يصرِّحون بالكفر وسب الدين الإسلامي علنا بصراحة مكشوفة، إن الأتباع قد جنَّدوا أنفسهم دعاة لنشر كل قبيح لُقِّنوه فصاروا خناجر مسمومة في جسم الأمة الإسلامية؛ ليقوموا بما عهده إليهم التبشير الغربي البغيض من الدعوة إلى مذهبه، ونشر كل مذهب إلحادي هدَّام على وجه الأرض؛ فهم يهادنون كل الأديان من سماوية محرفة وأرضية وثنية شركية مستقاة من وحي إبليس، وأصبحوا حربًا ضروسًا على الإسلام وحده؛ فهم يعتقدون أن الإسلام هو العدو الذي يجب أن يُمْحَى ويَخْتَفي من الأرض؛ فيا عجبًا كيف نجحت منظَّمات التبشير الغربي في نشر خرافاتهم المبتدعة وأباطيلهم المضللة والمسلمون لا زالوا في سبات عميق ؟!! .
" مبادئ العلمانية " تنحصر حرية الرأي في المذهب العلماني العربي بإعلان الحرب على مبادئ الإسلام وحده، ويختلقون ما يشوِّه مبادئه السامية، ويضايقون من يتمسك به، ويحرمونه من حرية التعبير عن عقيدته الإسلامية، وهذا تناقض عجيب؛ حيث ينادون بحرية الرأي لأنفسهم ولكل البشر، وفي نفس الوقت يحرمون المسلمين وحدهم من هذه الحرية، ويروِّجون لكل مبادئ التَّحلُّل والفواحش الإجرامية ما ظهر منها وما بطن، ويشجِّعون تَفَشِّيها في المجتمع المسلم، ومنها إباحة الفوضى الخلقية، ويرون أن جريمة الزنا حقٌّ من الحقوق المشروعة لمرتكبيها، ولا يجوز مضايقة الزناة في ممارسة حقوقهم الخاصة بهم في العُرْفِ العلماني، وجريمة الزنا محرمة في جميع الشرائع والديانات وكذلك العرف الجاهلي . يشجعون السفور وخروج المرأة على قانون البيت الإسلامي، والتمرُّد على زوجها الملتزم بموجب نظام الحرية البهيمية الوضيعة . يضايقون الإسلام وحده ويحاربون المسلمين في عقيدتهم دون سواهم، ويهادنون جميع المبادئ من يهودية ونصرانية وإلحادية ومجوسية وثنية؛ لتضليل العامة بحجة وحدة الأمة العربية، فإن وحدة العرب مطلب أساسي على أي مذهب من مذاهب الأرض، باستثناء الدين الإسلامي؛ فإنه ليس لأهله حق الدفاع عن أنفسهم، ولا يحق للإسلام البقاء وحقوق الإنسان لا تشمل المسلمين في العرف العلماني العربي المستورد .
" من أين أتى فضل العرب ؟ " لا شرف للعرب ولا سؤدد، ولا فضل إلا بالإسلام؛ لأن الأمةَ العربية كانت ضائعة قبل أن يرفعها الإسلام الحنيف؛ فقد رفع الإسلام العربَ قبل أن يكونوا شيئًا مذكورًا، وَوَحَّدَ كلمتَها بعد أن كانت لا تتحدُّ ولا تعرف الوحدة، ومَهَّدَ لها حتى أصبح العربُ في ظل الإسلام ملوك الدنيا وقادتها؛ دانت لهم الممالك في جميع أنحاء المعمورة، واستسلمت لعدلهم الأمم، وسادوا بالحكمة والقسط والإنصاف مشرق الأرض ومغربها وشمالها وجنوبها، بعد أن كانوا قبل الإسلام وفي ظل الجاهلية أعرابًا جفاة حفاة، منقطعين عن العالم في دوامات صراعات قبلية داخل الجزيرة يأكل القوي منهم الضعيف في حياة أقرب شبها بها حياة الوحوش في غاباتها، ثم رفع الإسلام من شأنهم فارتفعوا وفتحوا وسادوا وحكموا، وهذا كتاب الله القائل في العرب : " لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ " [الأنبياء: 10] وقال جل جلاله مخاطبًا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُون " [الزخرف: 43، 44] وقال جل جلاله : " وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ " [المؤمنون: 71] ثم هبط العرب بعد أن تركوا التمسك بالقرآن، وتخلفوا حين تركوا العمل بالإسلام نصًا وروحًا ونظام حياة، ولن يعود لهم مجدُهم المفقود حتى يعودوا هم إلى الإسلام الذي رفع ذكرهم وخلَّد مجدهم كما كان آباؤهم، وهذا ما يخشاه قادة الغرب ومن لَفَّ لَفَّهم من الأذناب والأتباع . ومن الغباء أن العرب حين تَخَلَّفوا عادوا يمارسون تقاليد الجاهلية الأولى، وقاموا بعد الكبوة والنكبات المتلاحقة يحاولون الالتفاف حول علم العروبة وشعار القومية العربية؛ ففي حفل رسمي بهيج تحت رعاية قائد القومية العربية ورافع لواء العروبة إلى الحضيض وبطل الهزائم في وقته حيث قال شاعرهم العلماني البارز - ونعوذ بالله مما قال : هبوني عيدًا يجعل العــــرب أمـــة وسيروا بجثماني على دين برهم فقد مزقت هذي المذاهب شملنــا وقـــد حطمتنـــا بين نـــاب ومنسم ســــلام علـى كفـــر يوحـــد بيننــا وأهـــــلا وسهـــــلا بعـــده بجهنـــم انظر أخي المسلم كيف يرحب ذلك النصراني ويصلي ويسلم على الكفر، كيف يرحب بكل دين سماوي محرَّف، وأرضي شيوعي ملحد، يرحب ويصيح ويسلم على كل مذهب يجمع العرب على ملة واحدة، ولو كان هو المذهب البرهمي المجوسي الوثني، أو اليهودي والنصراني . ولم يستثن منها إلا مذهب الإسلام ودين الإسلام وحده؛ فإنه في نظره ونظر أهل مِلَّتِه يجب استئصاله ولا يجوز له البقاء، كل ذلك من أجل توحيد الأمة العربية، ولم يعلم هذا الغر الحقود أن العرب قبل الإسلام ما كانوا إلا همجًا رعاعًا لا وزن لهم في دين الله ولا في دنيا البشر . إن الغرب الماكر أخوف ما يخاف ويخشى عودة المسلمين إلى الإسلام؛ لأن الإسلام وسع مدارك العرب بالعلوم المتعددة النافعة، وصاروا بها أساتذة العالم بعد أن كانوا في جاهلية جهلاء مظلمة، لهذا لا يريد عودة المسلمين إلى دينهم، وكذلك يخاف الأتباع من العرب العلمانيين المرتزقة عودة الإسلام إلى مجده الزاهر؛ لأن ذلك يغيظ سادتهم من الأعداء؛ لكونهم يريدون أن يبقى العرب والمسلمون أذيالاً وأتباعًا لهم، كما هو الحال بالنسبة للمثقف العربي من كتاب حرية الفكر اليوم . إن أعداء الإسلام من يهود ونصارى وغيرهم يخشون عودة الإسلام إلى قوته وهيمنته، إن قادتهم الكبار ومفكريهم يلقبون الإسلام بالعملاق؛ فهذا رئيس وزراء اليهود في فلسطين ابن غريون ووزير دفاعه موشى ديان يتخوَّفان ويقولان : أخوف ما نخشاه أن يستيقظ العملاق، فسئلا : من هو العملاق ؟ فأجابا قائلين : هو الإسلام ، إلا أنهما تفاءلا قائلين : اطمئنوا؛ فإن الإسلام مخدر ومنوم في غيبوبة وفي نوم عميق، ولا خوف عليكم منه الآن . إن من أعظم المخدِّرات المنومة بل القاتلة للإسلام تضييق الخناق عليه من أتباعه العلمانيين العرب لا من غيرهم؛ فهم الذين خذلوه ومهدوا لأعدائه في تضييق الخناق عليه، والذي يؤلم الفؤاد أنهم من العرب؛ فقد صار تأثيرهم أشد من تأثير سادتهم وأساتذتهم ممن زعموا أن عزيزًا ابن الله، والمسيح ابن الله، تعالى الله وتقدست ذاته وأسماؤه وصفاته عما يقولون علوًا كبيرًا .
" ما هي حرية الرأي ؟ " أصالة الفكر الحر للمسلم يستمدها من أصول العقيدة الإسلامية الحرة والفكر الحر الخالص الحسن، وأصالة الفكر الثابت ما بني على أصل ثابت حر أصيل لا شرقي ولا غربي يُستنبط من كتاب الله العزيز وسنة نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن الأمثلة لذلك : الخليل بن أحمد الفراهيدي رحمه الله؛ ابتكر علم العروض فاستنبط بدائع علم العروض وعلله من مادة غامضة لم يسبقه إليه سابق من العلماء، فغدا إمام العربية الفصحى ومنشئ علم العروض، وهو علم اخترعه لا عن معلم علَّمه، ولم يسبقه سابق في فنِّه . كما قيل عنه : إن دولة الإسلام لم تُخرِج أبدعَ للعلوم التي ليس لها أصل عند علماء العرب من الخليل بن أحمد، وليس أدل على ذلك من علم العروض الذي لا عن حكيم أخذه ولا من مدرسة اكتسبه؛ فلو كانت أيامُه قديمةً ورسومُه بعيدةً لشَكَّ فيه الكثير؛ لصنعته مالم يصنعه أحد قبله منذ خلق الله الدنيا، ومن تأسيسه بناء النحو، وقد ضَمَّنَه كتابه الذي هو زينة لدولة الإسلام . الخليل ابتكر علمًا نافعًا على أصول إسلامية بلاغية نافعة متَّصلة ببلاغة القرآن الكريم وعلم العربية الفصحى؛ فهذا هو الإبداع الحر والفكر الأصيل المرتبط بمعتقد الأمة والمستنبط من أصل دينها ومن وضع رجل أصيل ثابت العقل والرأي . أما فكر الدخلاء المقتبس من مدارس التغريب والشعوبية وأفكار الغزو الثقافي الغربي بعد أن تشبع به الببغاوات من أبناء وطننا العربي المنكوب، ثم تحولوا إلى أدوات لنشر ما لقنوا من أفكار سادة الاستعمار وقادة التبشير المناوئين للإسلام وأهله، فإن ذلك ليس بفكر؛ وإنما هو موت فكر وضياع أمة .
 معجزة في إعجاز القرآن


" وما تخفي صدورهم أكبر " معجزة في إعجاز القرآن وتفسيره بأحوال الخلق في كل زمان، وتصويره الدقيق لكل جماعة ولكل أمة ولكل مجتمع في طول الزمان وعرضه، وما يحدث فيه من خلل وتخلخل؛ فهو يرصد أحوال الناس ويصوغها ويصورها تصويرًا بليغًا وكأنه ينزل مع كل حادثة ويتجدد مع تقلبات الخلق في كل أرض وتحت كل سماء . ألا ترى أن القرآن يلقي النذر ويحذر عباده المؤمنين من الركون إلى أعدائهم من المنافقين وأهل الكفر ألا يسروا إليهم، ولا يتخذوا منهم بطانة يطلعونهم على أسرارهم، وأنهم لا يؤتمنون على أسرار المسلمين؛ فهم لا تستريح نفوسهم إلا بما يغيظ المسلمين ويبعث لهم المتاعب، ويكدِّر عليهم صفو حياتهم؛ قال جل جلاله : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ " [آل عمران: 118-120] : يتبين من هذه الآيات أن الغل الخفي والحقد الدفين لا يغادر قلوبهم، يترجم خبث نواياهم ما يكتبون ويزوِّرون من مفتريات على الإسلام والمسلمين مما تغذت به أفئدتهم الخبيثة من نظريات اقتبسوها من جامعات الفكر العلماني والفكر الحداثي الغربي المعادي؛ فما أعظم هذا القرآن الذي لا تحدث حادثة ولا ينحرف منحرف إلا والقرآن الكريم يصف ذلك الحدث وكأنه أنزل في وقت حدوثه؛ ذلك لأنه تنزيل من حكيم حميد . وفي قوله سبحانه : " هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ " [آل عمران: 119] وفي هذه الآية وفي قوله سبحانه : " وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ " وفي هذه العبارة حين يعضون على أناملهم من شدة الغيظ والحنق على المسلمين؛ فقد ذهبت المصانعة في الظاهر وبدت سجيَّتُهم واضحة وأخلاقهم جلية حين يعضون على أناملهم وهذه أنجع وسيلة لديهم لما يخففون به ما يجدونه من كره للإسلام وأهله .
" الفرق بين السابق واللاحق " ورد في كتب التفاسير والسير أن جماعة قالوا في غزوة تبوك : ما رَأَيْنَا مثلَ قراءنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء ، قال رجل : كذبت، ولكنك منافق، لأُخْبِرَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل في ذلك قرآن وهو قوله عز وجل : " وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ( لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ " [التوبة: 65، 66] فأرسل صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر قائلًا : «أدرك القوم؛ فإنهم قد احترقوا، فاسألهم عمَّا قالوا، فإن أنكروا فقل : بلى قلتم كذا وكذا» فانطلق إليهم عمار فقال ذلك لهم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم راكبٌ على راحلته، فقالوا : والله يا رسول الله إنما كُنَّا نخوض ونلعب ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ( لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " . قلت : انظر يا رعاك الله كم هو الفرق بين قول الفريقين وعملهم؛ أولئك سيوفهم على عواتقهم مجاهدون في سبيل الله مع رسول الله وفي صحبته وتحت لوائه، وقالوا كلمة سخرية بالقراء من المهاجرين والأنصار، ولم يذكر من ذكر القصة أنهم سَخِروا بالله أو آياته . إلا أن مَنْ يَعْلَم السِّرَّ وأخفى جعلهم قد سخروا بمن آمن بالله وبكتابه ورسوله؛ فكأن السخرية كانت موجَّهةً إلى الله وآياته ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكما هو واضح فالفرق بين الفريقين يتَّضح في الآتي : أولا : قال : " قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " : أثبت لهم الإيمان فقرَّر مصيرهم بتلك الكلمة كلمة الكفر بعد الإيمان، وهم يقطعون الطريق مع بُعْدِ المفازة ومَشَقَّةِ السفر الطويل سيرًا على الأقدام، فَزَلَّت به القدم بتلك الكلمة ثم خرجوا بها من دائرة الإسلام؛ حيث قال : " قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " . أما هؤلاء فقد كَذَّبوا رسول الله وزعموا أن دعوته كانت لغرض الملك وتشييد الدولة الهاشمية وتحقيق أمنية جده عبد المطلب، ومن سياق كلامهم أنهم لم يدخلوا إلى حظيرة الإسلام . ثانيًا : انتقاصهم للخليفة الراشد عثمان بن عفان وزعمهم أنه لم يكن كفئًا للإمارة . ثالثًا : كذبُهم الفاحش ورميُهم لسيف الله خالد بن الوليد بفاحشة الزنى، واتهام أبي بكر بالمداهنة حيث لم يقم الحد على خالد حسب زعمهم قاتلهم الله . رابعًا : كذبُهم على مجتمع يثرب صفوة البشر الأخيار خير مجتمعات العالم قاطبة؛ ألا وهو مجتمع الصحابة الكرام، ورميُهم بالدعارة والبصبصة للنساء في مواسم الحج وغيره . خامسًا : فرية الدكتور الوثني سيد القمني وتقريره بوجود آلهة سماوية وأرضية ذكرانًا وإناثًا . فإذا كان نفرٌ من الصحابة وهم مجاهدون قد كفروا بكلمة واحدة وهم كما أسلفت قافلون من ميدان الجهاد في سبيل الله فكيف بهؤلاء وقد أتوا بجميع المكفِّرات كلها ؟! .
" ضعف النفوس سبب في هزائم المسلمين " إن الهزائم المتلاحقة التي أنهكت المسلمين في أغلب أقطارهم وفرَّقت شملَهم وأضعفت شوكتَهم، ما كان يقودها ويساهم في تتابعها ويساوم في إشعال نارها وتأجيج لهبها إلا فئام من المرتزقة العرب الذين تَسَمَّوا بأسماء المسلمين واندسُّوا في مجتمعهم الإسلامي؛ كسيد وأحمد وخليل عبد الكريم وأمثالهم، ثم ارتدوا عنه وكانوا عونًا لأعدائه عليه يلبسون لباس الإسلام ويرتدون قناع العروبة وينفثون سمومهم من خلال دعوتهم الجوفاء وصنم عصرهم المعروف بحرية الفكر، ويتخذون من الفكر العلماني الملحد منابر لضرب الإسلام في الصميم والنيل من الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته وصحابته وترويج السَّفَه الذريعِ ضدَّ صفوة البشر ومن اختارهم الله لصحبة نبيه ونشر دينه وإقامة عدله . إن الهزائم والكوارث التي أشعلت نار الحقد وأوجدت في الأمة عاهات الضعف والتخلُّف والانقسامات والتنكُّر للقيم الإسلامية، وأصبح فئامٌ من المثقَّفين بالثقافة الغربية يحملون على كواهِلِهم معاولَ الهدمِ ليهدموا بها الإسلام ويدلون الأعداء على عورات المسلمين، وقد أعلنوها رِدَّةً ولا أبا بكر لها، وهذا حصاد ما زرعته الثقافة العلمانية الملحدة من تدمير القيم والأخلاق : " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ " [الأنعام: 112] .
" القرآن وأهل الكتاب " المعركة بين المسلمين وأهل الكتاب معركة قديمة؛ لأنها تتَّصل بالعقيدة في الله والتوحيد الخالص له جل جلاله، ولكون أهل الكتاب يؤمنون بتعدد الآلهة مع الله، وقد أوضح القرآن الكريم الذي هو كلام الله العالِم بأحوال عباده حقدَ أهل الكتاب من اليهود و النصارى على المسلمين؛ قال سبحانه وتعالى : " وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ " [البقرة: 120] والكفر كله ملة واحدة، ولا يزالون يقاتلون المسلمين فوق كل أرض وتحت كل سماء حتى يعيدوهم إلى الكفر إن استطاعوا؛ قال عز وجل : " وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " [البقرة: 217] فسبحان الله، ما أعظم هذا القرآن وأصدقه؛ فكأن عداءَ الكفار جميعًا ينحصر ضد هذا الدين الإسلامي العظيم، يتضح هذا حين ينظر الإنسان المسلم إلى تعاطف كل المذاهب في طول الأرض وعرضها واجتماعها على عداوة الإسلام؛ فكل المذاهب غير الإسلام مجتمعة في حلف أبدي على حرب الإسلام ومنابذة الدين الحنيف؛ فمن حين بُعِثَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم والأحلاف مستمرة تعقد ضد الإسلام؛ حيث تحالف اليهودُ مع قريش في بداية الأمر، وأصدر اليهود فتاواهم إلى قريش يزعمون أن ما هم عليه من الشرك بالله و عبادة كل شيء مع الله من حجر ومدر وشجر ونجوم وملائكة وجميع الأصنام المختلفة هي الحق، وما عليه محمد هو الباطل، وهم يزعمون أنهم أهل كتاب منزل، كما عقدوا حلفًا مع قريش وبقية قبائل العرب المشركة على حرب النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الأحزاب . ولا زالت الأحلاف بين جميع طوائف العالم إلى يومنا هذا مستمرة في تآمرها على استئصال الإسلام ومَحْوِهِ تمامًا من الوجود : " يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ " [التوبة: 32] . إن أهل الكتاب جادُّون ويبذلون المستحيل ويدخلون الشكوك والشبهات والأوهام ويتربصون بالإسلام وأهله، والحمد لله؛ فالقرآن قد بَصَّرَ المسلمين بكيد عدوِّهم وتربُّصِه بهم؛ قال عز وجل : " وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ " [آل عمران: 69] . ومن هنا تتبيَّن مكائدهم وما يضمرونه للمسلمين من عداء وغيظ قاتل وحقد دفين؛ فهم يحاولون بشتى الوسائل أن يطفئوا نور الله ويضعوا الحواجز بين المسلمين وبين كتاب ربهم وهدي نبيهم صلى الله عليه وسلم، لغرض إضعاف المسلمين وضياعهم وإضلالهم عن معتقدهم الإسلامي الخالص الذي قاد سلفهم إلى قيادة العالم بأسره وسيطر على الأرض جميعًا؛ فهم يخافون أن يعيد التاريخ نفسه ويستيقظ العملاق، وهذا أكبر ما يخافون منه ويحذرونه .
" الخداع والمراوغة " وفي ميدان المراوغة والخداع قال سبحانه وتعالى : " وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " [آل عمران: 72] فهم يتظاهرون بالإيمان من قبلهم أول النهار ويكفرون به آخره، وذلك لقصد الإيهام وإدخال الريب والشك في نفوس المسلمين حسب زعمهم ولؤم طبائعهم، ومن هنا يرتد عن الإسلام مَنْ آمن بالإسلام من العرب؛ حيث قالوا : لعلَّهم يرجعون : أي يرتدون عن الدين، وهذا هو دَأْبُهم ومكرُهم بالمسلمين من زمن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كما أوضح سبحانه وتعالى تضليلهم الماكر وحيلهم المتتالية وكيدهم المستمر ومراوغتهم الواهية؛ قال عز وجل : " وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ " [آل عمران: 78] . إن هذا التدليس قد فضحه الله، وأخبر أنهم تجار إفك وكذب، يكذبون على الله وهم يعلمون أنهم كاذبون يوهمون الناس بأنهم يتلون كتاب الله وإذا بهم يتلون كتاب الشيطان ووحيه الموحي به إليهم، يلوون ألسنتهم بالكتاب ليتخذوا من لَيِّهم وتأويلاتهم مقررات تتفق مع ميولهم وأهدافهم وهوى في نفوسهم، يُسَخِّرون كتاب الله لأهوائهم السائدة وآرائهم المبتدعة التي تصادم حقيقة الدين ومراد الله، يتصيدون الشُّبَهَ ويخترعون الألفاظ؛ فيزعمون أن ذلك هو مراد الله من كتاب الله وهو من عند الله، وفي الحقيقة أنه ليس من كتاب الله ولا ينم عن مراد الله . وإنما حوَّروا ودوَّروا وزوَّروا من الألفاظ ما يلبس الحق بالباطل؛ فيدعون إلى الباطل ويرغِّبون الناس فيه ويكتمون الحق ويحذرون الناس منه، فسبحان الله؛ كيف مسخ الله عقولهم وقَلَبَ أفئدتَهم وأعمى بصائرهم وأبصارهم . إن عقيدَتَهم الكذب وهديَهم الضلال ودينَهم الفجور وقولَهم الفُحش والزور، فلا يغترُّ بهم إلا جاهل بالإسلام أو منحرف مارق مغرور، وقد يوجَدُ الخداع والاحتراف بالدين عند غير أهل الكتاب حينما يضعف الوازع الديني في نفوسهم ويرخص الإيمان بالله في قلوبهم، فيتخذون الإيمان سُلَّمًا لأهداف ذاتية، ويتخذون من الدين حرفة تُدِرُّ عليهم مكاسبَ ماديَّةً ..

No comments:

Post a Comment