Tuesday, 3 January 2017

باب تحقيق التوحيد


jQuery UI Dialog - Default functionality

* باب تحقيق التوحيد لمّا ذكر التوحيد وفضله ناسب أن يذكر تحقيقه، فإنه لا يحصل كمال فضله إلا بكمال تحقيقه، وتحقيق التوحيد قدر زائد على ماهية التوحيد (التي ينافيها الشرك الأكبر)، وتحقيقه من وجهين: واجب ومندوب. فالواجب تخليصه وتصفيته عن شوائب الشرك والبدع والمعاصي، فالشرك ينافيه بالكلية –أي الأكبر- والبدع تنافي كماله الواجب، والمعاصي تقدح فيه وتنقص ثوابه -على التفصيل المذكور سابقا-. والمندوب تحقيق المقربين: تركوا ما لا بأس به حذرا مما به بأس. وحقيقته كما تقدّم = انجذاب الروح إلى الله، فلا يكون في قلبه شيء لغيره، فإذا حصل تحقيقه بما ذكر = فقد حصل الأمن التام والاهتداء التام. 1. { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } - وصف الله خليله عليه السلام بهذه الصفات التي هي الغاية في تحقيق التوحيد: * (كان أمّة): أي إماما على الحنيفيّة، قدوة معلما للخير، أو لما اجتمع فيه من صفات الكمال والخير ما يجتمع في أمة استحقّ اسمها. والقولان متلازمان: فإنه أمة على الحقّ وحده، وإمام لجميع الحنفاء. * (قانتا): أي خاشعا مطيعا، والقنوت دوام الطاعة. قال تعالى: (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه) * (حنيفا): منحرفا عن الشرك إلى التوحيد، وعند العرب ما كان على دين إبراهيم. * (ولم يك من المشركين): فارقهم بالقلب واللّسان والبدن، وأنكر ما كانوا عليه من الشرك، بل ضمّ إلى ذلك البراءة من المشركين، كما قال تعالى: (إنني براء مما تعبدون)، وضمّ إلى ذلك أن اعتزلهم كما قال تعالى: (وأعتزلكم وما تدعون من دون الله). - أمرنا بالتأسّي به. قال تعالى: (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده) - (إن إبراهيم كان أمة) لئلا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين. 2. { وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ} وصف الله المؤمنين السابقين إلى الجنة فأثنى عليهم بهذه الصفات الحميدة، فقال: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون) ثمّ طبع على أعمالهم الصالحة بطابع الإخلاص، وهو السلامة من الشرك قليله وكثيره، صغيره وكبيره، ومن كان كذلك فقد بلغ النهاية من تحقيق التوحيد الموجب لدخول الجنة بغير حساب. 3. عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لُدِغت، قال: فما صنعت؟ ... الحديث - الكوكب = النّجم، و"انقض" = أي سقط. وفيه فضيلة السلف وأن ما يرونه من الآيات السماوية لا يعدونه عادة، بل يعلمون أنه آية من آيات الله. - خاف حصين أن يظن النّاس أنه رأى الكوكب المنقض وهو يصليّ، فنفى عن نفسه إيهام العبادة، وهذا يدلّ على حرص السلف على الإخلاص. وقال: " ولكنّي لدغت"، يعني فأوجب لي اللّدغ الاستيقاظ، لا أني كنت أصلي. - " لا رقية إلا من عين أو حمة " أي: لا رقية أشفى وأولى من رقية العين والحمة، وإنّما خصّ العين والحمة لكونهما تصدران من أنفس خبيثة روحانية شيطانية، فالرقية بالقوى الرحمانية كالنفث والريق أولى ما يُدفع له هذان النوعان، ولا يمنع جواز الرّقية من غيرهما من الأمر، لأنه أمر بالرقية مطلقا، وقد رقى ورُقي. والعين هي إصابة العائن غيره بعينه إذا نظر إليه، عدوّا كان أو حاسدا أو غيرهما، فتؤثر فيه بإذن الله فيمرض بسببها. ومن أسباب العين أن يتعجّب الشخص من الشيء يراه فتتبعه نفسه، فيتضرر ذلك الشيء منه: يقال عانه يعينه فهو عائن إذا أصابه بالعين، ويندفع شره بأسباب، منها التعوّذ بالله من شره والصبر عليه، وفراغ القلب من الاشتغال به وتقوى الله والتوكل عليه. والــحُــمَــة : الحية والعقرب وشبههما، أو السم أو الإبرة. إشكال : كيف تصدر الحمة من نفس خبيثة روحانية شيطانيّة ؟ - " قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ": فيه فضيلة علم السلف، وحسن أدبهم، وتلطفهم في تبليغ العلم، وأنّ من عمل بما بلغه فقد أحسن. ثمّ قال: "ولكن حدّثنا.." فعُلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني ولكن سعيد بن جبير أخبر حصين عن درجة أرفع من تلك الدرجة وهي التوكّل. - الرّهط = الجماعة دون العشرة، جمعه أرهط وأرهاط، ولا واحد له من لفظه. - كلّ أمة تحشر وحدها مع نبيّها، والمراد أمّـة الإجابة لا أمّة الدعوة. - أتباع موسى بن عمران عليه السّلام هم أكثر الأمم تابعا لنبيها بعد نبينا محمد . قال تعالى: (وفضلناهم على العالمين) أي في زمانهم. - في الحديث فضيلة هذه الأمة في الكمّية والكيفيّة، والكمّية = العدد والكثرة، والكيفيّة = فضيلتهم في صفاتهم. - تباحث الحاضرون واختلفوا في شأن السبعين ألفا بأي عمل نالوا هذه الدرجة، وفيه عمق علم السلف، لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلاّ بعمل، وفيه حرصهم على الخير. - وصف النبيّ السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب فقال: * "لا يسترقون" : أي لا يطلبون من يرقيهم استسلاما للقضاء وتلذذا بالبلاء، وهكذا ثبت في الصحيحين. وفي رواية مسلم: "ولا يرقون". قال شيخ الإسلام: هذه الزيادة وهم من الراوي، لم يقل النبي "ولا يرقون"، وقد سئل عن الرقى فقال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل" وقال: " لا بأس بالرقى إذا لم تكن شركا" وقد رقى جبريل النبي ورقى النبي أصحابه، والفرق بين الراقي والمسترقي أن المسترقي سائل مستعط ملتفت إلى غير الله بقلبه، والراقي محسن، وإنما المراد وصف السبعين ألفا بـتـمام التوكل، فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم. * " لا يكتوون": أي لا يسألون غيرهم أن يكويهم، كما لا يسألون غيرهم أن يرقيهم، وقوله "لا يكتوون" أعم من أن يسألوا ذلك. ووردت في الكي أحاديث: ففي الصحيح عن جابر أن النبي بعث إلى أبي بن كعب طبيبا فقطع له عرقا وكواه، وكوى أنس من ذات الجنب والنبي حيّ كما في البخاري، وفي الصحيح عن ابن عباس مرفوعا: "الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنهى أمّتي عن الكيّ" وفي لفظ: "وما أحبّ أن أكتوي". قال ابن القيم: قد تضمنت أحاديث الكيّ أربعة أنواع: أحدها فعله، والثاني عدم محبّته، والثالث الثناء على من تركه، والرابع النهي عنه، ولا تعارض بينها، فإن فعله له يدل على جوازه، وعدم محبّته لا يدلّ على المنع منه، وأما الثناء على تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل وأكمل، أي في تحقيق التوحيد، فكأن النبي قال هم الذين أخلصوا أعمالهم وتركوا ما لا بأس به، حذرا مما به بأس، وأما النهي عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهة. اهــ فمن تركهما توكّلا لا تجلّدا ولا تصبّرا = فهو من كمال التوحيد، وإلاّ = لم يكن تركه من التوحيد في شيء فضلا عن أن يكون من تحقيقه. * "ولا يتطيّرون": أي لا يتشاءمون بالطير ونحوها، وسيأتي التفصيل لاحقا. * " يتوكلون" : عطف التوكّل على الصفات السابقة هو من عطف العام على الخاص، لأن كل واحدة منها صفة خاصة من التوكل. والحديث لا يدلّ على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلا، وإنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها توكّلا على الله، وأما مباشرة الأسباب والتداوي على وجه لا كراهة فيه = فغير قادح في التوكّل، فلا يكون تركه مشروعا، لما في الصحيحين: " ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله." قال ابن القيم: وقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، والأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكّل، كما لا ينافيه دفع ألم الجوع والعطش، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب، وتعطيلها يقدح في التوكّل، فلا يجعل العبد عجزه توكلا، ولا توكّله عجزا. إشكال: ما سبب هذا التفريق بين الاسترقاء والكيّ وبين التداوي في القدح في كمال التوكّل ؟ جواب: لأنّه يكثر تعلّق القلب بالراقي، أو بالكيّ أو بالكاوي ففيها إنقاص من مقام التوكّل، فالناس في شأن الرقية تتعلّق بها قلوبهم أكثر من تعلّقهم بالطبّ ونحوه، والعرب تعتقد أنّ الكيّ يحدث المقصود دائما، فصار تعلّق القلب بهذا الكيّ من جهة أنّه سبب يؤثّر دائما. - "سبقك بها عكاشة": قال ذلك سدّا للذريعة لئلا يتتابع الناس فيسأل من ليس أهلا فـيُرَدّ، فيعرفه الحاضرون. وفيه استعمال المعاريض، وحسن خلقه حيث لن يقل أنت منهم ، ولا لست منهم. __________________ (( الْعِلْمُ شَيْءٌ لا يُعْطِيكَ بَعْضَهُ حَتَّى تُعْطِيَهُ كُلَّكَ ، وَأَنْتَ إِذَا أَعْطَيْتَهُ كُلَّكَ مِنْ إِعْطَائِهِ الْبَعْضَ عَلَى غَرَرٍ )) رد مع اقتباس.

No comments:

Post a Comment